عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
28
اللباب في علوم الكتاب
في الآية الأولى اتباعه تقليدا بغير حجة ، ( وفي الثانية مجادلته في الدين ، وإضلاله غيره بغير حجة ) « 1 » . والأول أقرب لما تقدم . ودلت الآية على أن الجدال مع العلم والهدى والكتاب « 2 » حق حسن . والمراد بالعلم العلم الضروري ، وبالهدى الاستدلال والنظر ؛ لأنه يهدي إلى المعرفة ، وبالكتاب المنير الوحي . والمعنى يجادل من غير مقدمة ضرورية ، ولا نظريّة ولا سمعيّة فهو كقوله تعالى « 3 » : « وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ » « 4 » ثم قال « ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » ثني العطف عبارة عن التكبر والخيلاء « 5 » قال مجاهد وقتادة : لاوي عنقه « 6 » . وقال عطية وابن زيد : معرضا عما يدعى إليه تكبرا « 7 » . والعطف الجانب وعطفا « 8 » الرجل : جانباه عن يمين وشمال ، وهو الموضع الذي يعطفه الإنسان أي « 9 » : يلويه ويميله عند الإعراض عن الشيء ، ونظيره قوله تعالى : « وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً » « 10 » وقوله « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ » « 11 » « 12 » . « لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » فمن ضم الياء فمعناه : ليضل غيره عن طريق الحق ، فجمع بين الضلال والكفر وإضلال الغير . ومن فتح الياء فالمعنى : ليضل هو عن دين اللّه « 13 » . « لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ » « 14 » عذاب وهوان ، وهو القتل ببدر ، فقتل النضر ، وعقبة بن أبي معيط يوم بدر صبرا . « وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ » ويقال له : « ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » « 15 » والكلام في قوله : « ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ » « 16 » كالكلام في قوله : « ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ » وكذا قوله « وَأَنَّ اللَّهَ » يجوز عطفه على السبب ، ويجوز أن يكون التقدير والأمر أن اللّه ، فيكون منقطعا عما قبله « 17 » . قوله : « ظلّام » مثال مبالغة . فإن قيل : إذا قلت : إن زيدا ليس بظلام ، لا يلزم منه نفي أصل الظلم ، فإن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم . فالجواب : أن المبالغة إنما جيء بها لتكثير « 18 » محلها فإن العبيد جمع ، وأحسن من
--> ( 1 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 2 ) في ب : وفي الكتاب . ( 3 ) تعالى : سقط من الأصل . ( 4 ) [ الحج : 71 ] . ( 5 ) آخر ما نقله عن الفخر الرازي 23 / 12 . ( 6 ) انظر البغوي 5 / 556 . ( 7 ) المرجع السابق . ( 8 ) في الأصل : والعطف . وهو تحريف . ( 9 ) في الأصل : أن . وهو تحريف . ( 10 ) [ لقمان : 7 ] . ( 11 ) [ المنافقون : 5 ] . ( 12 ) انظر البغوي 5 / 556 - 557 . ( 13 ) انظر الفخر الرازي 23 / 12 ، البحر المحيط 6 / 354 ، 355 . ( 14 ) من هنا نقله ابن عادل عن البغوي 5 / 557 . ( 15 ) آخر ما نقله هنا عن البغوي 5 / 557 . ( 16 ) من الآية ( 6 ) من السورة نفسها . ( 17 ) انظر مشكل إعراب القرآن 2 / 92 . ( 18 ) في ب : لتكثر .